الشيخ عبد الواحد محمد بن الطواح
131
سبك المقال لفك العقال
كان الشيخ أبو زكريا يدرس كتاب إفشاء الحكمة في اللويحة حتى حفظ أكثره ، وهو متوغل في تعظيم شيخه جدا ، وهذا حال الوارث الصادق ، ومن غريب ما حكي عنه ، أنه قال : كنت يوما بجبل لبنان « 1 » بالشام ؛ فخرج عليّ الأسد ، فقلت في نفسي ببركة الشيخ نسلم منه ، فلما قضيت لبانتي ، وجئت وسلمت على الشيخ ، فقال لي : كيف كان ينفعك تحقيقك من الأسد ، فتكلم على سري . رأيت له كلاما على حقيقة الشيخ ما هو ؟ فقال - رضي اللّه عنه - الشيخ هو الكامل في نفسه ، المكمّل لغيره ، والكمال هو الذي لا يقبل الزيادة ، ولا يمكن فيه النقصان ، وهذا حدّه من حيث الإطلاق ، وأما من حيث الإضافة فيكون كاملا بالإضافة إلى من دونه « 2 » ، أو يكون كاملا بحسب مذهب ما أحكمه ، ووصل فيه الغاية ، وتنقصه مذاهب أخر ، وبالجملة ، الشيخ الكامل عند الأصوليين هو الذي حصّل العلوم السبعة العقلية « 3 » ، التي لا يحملها أحد عن أحد ، وأقام الدليل على حدوث العالم وإثبات صانعه ، وإثبات قدم الصانع ، وإثبات صفاته السبع على أنواعها « 4 » ، وإثبات قيامه بنفسه ، وإثبات تنزيهه ، وجواز الرؤية ، والإيمان بالنبوة وإثباتها بالمعجزات ، والأعمال الثمانية ، وهي الدعائم الخمس والألفة والنصيحة ، والتوبة ، وهذا هو الشيخ الكامل عند الأشعرية « 5 » - رضي اللّه عنهم ، وهو الذي يخلص المسترشد من التقليد ،
--> ( 1 ) بلاد معروفة من أرض الشام تقع شمال فلسطين وسوريا ، سميت باسم جبلها المرتفع المتصل من البحر إلى البحر ، كان مشهورا في القديم بسكن الزهاد فيه . ( 2 ) في ( ب ) إلى ما دونه . ( 3 ) راجع في تعريف العقل كتاب التعريفات للجرجاني : 151 - 152 . ( 4 ) راجع الصفات الذاتية ، والصفات الفعلية للّه تعالى في كتاب التعريفات : 133 . ( 5 ) الأشعرية نسبة إلى مذهب الشيخ أبي الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق من نسل الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري مؤسس المذهب ، وهو من الأعلام المجتهدين في علم الكلام ، ولد في البصرة ، أخذ مذهب الاعتزال ، ثم خالفه ، وتوفي ببغداد بعد أن ترك آثارا كثيرة ، وقد بين طبيعة مذهبه وطرائقه عدد غير قليل من الكتاب في القديم والحديث . راجع في ذلك : وفيات الأعيان 1 : 326 ، البداية والنهاية 11 : 187 ، الموسوعة العربية الميسرة 1 : 166 .